آخر تحديث: 2018-06-10 14:09:11

عاجل

الانسحاب من الاتفاق النووي.. هل ينوي ترامب الحرب؟ .. بقلم: عماد خالد الحطبة

يجمع المحللون على أن أجواء الحرب تخيم على منطقتنا، ويتفننون في وضع السيناريوهات لبدء المعركة، يتناسى هؤلاء أن الحرب قائمة فعلاً منذ سبع سنوات، وأن الولايات المتحدة وحلفاءها يخوضونها بكل إمكاناتهم العسكرية والسياسية، لعل الأدق إذاً أن نتساءل ما إذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى التصعيد العسكري وزيادة تدخلها في الحرب القائمة أم أنها مناورة أخرى للحفاظ على «مكاسبها» التي حققتها خلال هذه الحرب؟
جميع المؤشرات التي يمكن الاستدلال بها من متابعة الأحداث خلال السنة الأولى من حكم الرئيس ترامب تشير إلى أن الإدارة الأمريكية الجديدة لا تسعى لشنّ حروب مفتوحة ومكلفة، لكنها في الوقت نفسه إدارة يمينية متشددة تلجأ إلى التهديد بالقوة العسكرية الأمريكية الغاشمة لابتزاز الخصوم والحلفاء على حدّ سواء، وهي تنتمي إلى مدرسة فوكوياما التي ترى أن «احتمال الحروب يولد دفعاً كبيراً باتجاه عقلنة المجتمعات ومن أجل خلق بنى اجتماعية متماثلة بين الثقافات»، لذلك فهذه الإدارة لا تتورع عن شنّ ضربات استراتيجية على أهداف منتقاة لفرض إرادتها كما حدث في العدوان الثلاثي على سورية، حيث أجبرت الحلفاء (الإنكليز والفرنسيين) على المشاركة، ورمت قفاز التحدي أمام الخصوم (محور المقاومة وروسيا)، وهي إضافة إلى العدوان المباشر تستعين بالحليف الإسرائيلي لشن اعتداءات مشابهة، وتلوح باستخدام الحلفاء العرب كقوات بديلة في بعض مناطق سورية، لكن الرأسمالية لا تخوض حروبها إلا لأسباب اقتصادية، فما هي المكاسب الاقتصادية التي يسعى ترامب لتحقيقها من وراء هذا التصعيد؟
ترافق الاتفاق النووي بإلغاء العقوبات الدولية على إيران، ما فتح السوق الإيراني الغني بالفرص أمام الاستثمارات الأجنبية، وتتصدر هذه الفرص أوروبا والصين، في حين تحتل الولايات المتحدة مركزاً متأخراً يكاد يكون محصوراً في مجال الطيران وبشكل خاص شركة بوينغ، ويتصدر الروس مجال الاستثمارات في الطاقة، وإعادة فرض العقوبات، التي ترافقت مع الانسحاب من الاتفاق النووي، ستؤثر سلباً في الخصوم التجاريين لأمريكا، وستمنح أمريكا موقعاً اقتصادياً أفضل في أي مفاوضات قادمة، فالولايات المتحدة غير راضية عن نصيبها في العقود الإيرانية، وتنظر بقلق شديد إلى مسألة استبعادها من عقود إعادة إعمار سورية التي يتوقع أن تتجاوز نصف تريليون دولار، لذلك تسعى إدارة ترامب إلى الحصول على اتفاق جديد يزيد حصتها من الكعكة الاقتصادية المقبلة.
كما ترافق رفع العقوبات عن إيران باستعادتها حصتها السوقية من إنتاج النفط، وهو ما أدى بدوره إلى انخفاض أسعار النفط إلى ما دون السبعين دولار، وعليه فإن الانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات على إيران سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وهذا بدوره سيؤثر في قوة الخصوم الاقتصاديين التنافسية (وخاصة الصين)، كما أن تخطّي النفط حاجز الثمانين دولاراً سيعيد صغار المنتجين الأمريكيين إلى العمل، ويزيد من فرص العمل في هذا القطاع ما يعوض عن الخسائر في قطاعات الاقتصاد الأخرى وخاصة صناعة الطيران.
لكن الإدارة الأمريكية تدرك أن فعالية هذه العقوبات محدودة التأثير على المدى البعيد، سواء في إيران أو الصين وأوروبا، فاستعمال الطاقة البديلة وخاصة الغاز يتطور بسرعة، ويتوقع أن يتسارع هذا التطور بدفع من الصين بعد التصعيد الأمريكي، كما أن ارتفاع أسعار الطاقة سيؤدي على المدى الطويل إلى انكماش اقتصادي يضرّ أكثر ما يضر بالاقتصاد الأمريكي لكونه أكبر الاقتصادات العالمية.
ما تفعله أمريكا إذاً، ليس سوى شراء المزيد من الوقت، عانى الاقتصاد الأمريكي من تراجع مستمر منذ عام 2008، لكنه بدأ يستعيد بعضاً من عافيته من خلال السياسات الاقتصادية لإدارة ترامب، التي عملت على إعادة توطين الصناعة، واستعادة المفهوم الرأسمالي التقليدي القائم على إنتاج البضاعة وبيعها، لكن هذا التغيير يحتاج إلى تغيير جذري في بنية الاقتصاد الأمريكي ليتمكن من المنافسة في السوق العالمي.. ما تحتاجه الولايات المتحدة هو الوقت لتحقيق إعادة هيكلة بنيتها الاقتصادية بشكل منظم ومخطط، بعيداً عن ضغوط السوق والمنافسة الحادة، وهذا ما يمكن أن يوفره انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي واللغط والشد والدفع الذي يدور حوله، وهذا ما يفسر رد الفعل الأوروبي المذعور على هذا الإلغاء، لكن الجميع يدرك أن الخيار سيكون في النهاية العودة إلى طاولة المفاوضات وصياغة اتفاق جديد يرضي جميع الأطراف وفق ما تسعى إليه واشنطن.
المنطق يقول إذاً: إن التصعيد والحرب الإقليمية ليست على الأبواب، لكن التاريخ علّمنا أن الأحداث لا تجري دائماً وفق المنطق، فعوامل كثيرة يمكن أن تتدخل لحرفها عن مسارها المنطقي، لعل أكثر ما ينذر بالخطر هو الموقف الإسرائيلي الذي يعدّ الانسحاب من الاتفاق النووي قضية استراتيجية لأمن «إسرائيل»، بل لبقائها على المدى الطويل، لذلك يمكن أن تلجأ «إسرائيل» إلى تأزيم الأمور من خلال شن اعتداء مباشر على منشآت إيرانية، أو اغتيال بعض القادة العسكريين الإيرانيين مثل الجنرال قاسم سليماني، كما يمكن لبعض الصقور واللوبيات داخل الإدارة الأمريكية العمل على صناعة أزمة، من خلال تقارير كاذبة عن «اقتراب وصول إيران إلى صناعة القنبلة النووية»، أو فبركة هجمات على القوات الأمريكية في سورية أو العراق أو الخليج، وإلصاقها بجهات مرتبطة بإيران كـ«أنصار الله» أو حزب الله، واستعمالها حجة لشنِّ عدوان على إيران، يضاف إلى كل التحليلات، احتمال يخص الإدارة الأمريكية الحالية ألا وهو الحمق السياسي الذي يميز رأسها، والذي قد يقود الأمور نحو الهاوية. رغم كل ذلك ما زالت الحرب المفتوحة احتمالاً بعيداً، أو على الأقل ليست الاحتمال الأقوى، أما المعركة فما زالت تدور رحاها على الأرض وما زال حسمها بيد محور المقاومة وحلفائه.

  • كاتب من الأردن
print

مقالات ذات صله