آخر تحديث: 2018-06-10 14:09:11

عاجل

صناعة الحقيقة .. بقلم: عماد خالد الحطبة

وقع بين يدي قبل أيام منشور فعالية سينمائية أقيمت في الأردن في الذكرى السنوية الثالثة لما سمي «الثورة» السورية، استعدت معه ما قالته الحكومة الفرنسية عن اعتمادها على مواقع التواصل بما فيها «يوتيوب» كدليل يبرر مشاركتها في العدوان الثلاثي على سورية، اشتمل الإعلان المطول على الفقرة الآتية:
«كانت سورية الموضوع الأول على «يوتيوب» في العام 2012، أكثر من 300 ألف مقطع فيديو تم تحميلها حظيت بـ 350 مليون مشاهد من كل أنحاء العالم… عندما أعاد السوريون اكتشاف أنفسهم في آذار ٢٠١١، اكتشفوا لغات تعبير جديدة، تُمُكّنهم من إيصال صوتهم بحرية لم يعتادوها من قبل، شغل «اليوتيوب» حيزاً كبيراً من هذه اللغة، سجلوا رسائل بهدف بثها عبر الإنترنت، بعضها محفوف بخطر الاعتقال أو القتل أحياناً».
لكن ماذا كان يفعل السوريون قبل آذار 2011؟ هل هذه هي بداية تاريخ سورية الحديث؟
ماذا كان كل ما أنتجه السوريون من فن وثقافة وحضارة على مدى المئة سنة الماضية؟ ولماذا معظم الأدباء والصحفيين والفنانين الذين كان يحلو لهم أن يصفوا أنفسهم بالتقدميين اختاروا دمشق لتكون محطة لسكناهم وإبداعهم؟ هل صوت القاشوش وفضل شاكر هو التعبير عن سورية الجديدة بدلاً من نزار قباني وصباح فخري وميادة الحناوي؟؟؟
يقول إعلان الفعالية: «يوم عالمي لسورية يحتفي بالمواطن – المصور السوري من خلال ستة عروض تم تركيبها من مقاطع فيديو سورية استثنائية على يوتيوب»!! هل تختلف هذه الفيديوهات المركبة عن تلك التي تم تصويرها في خان العسل ودوما؟
تركيب مقاطع الفيديولا يعني فبركتها، لكن من يجمع هذه المقاطع ويركبها صاحب موقف سياسي فهو يضع ما ينسجم مع قناعاته ويحذف ما يختلف معها ولا يحدث هذا بالضرورة في سياق المؤامرة بل يمكن أن يحدث كجزء من الفعل الإنساني الطبيعي، فالحقيقة التي نراها على الشاشة، هي الحقيقة التي كما يراها أصحابها وقد لا تكون تشبه الحقيقة على الأرض بشيء، هذا إضافة إلى أن التصوير ممكن أن يقع من زوايا مختلفة حيث يمكن التركيز على جزء من الصورة وليس الصورة الحقيقية بأكملها… قد يحدث ذلك لأسباب فنية بسبب محدودية زاوية التصوير وقد يحدث لأسباب سياسية بسبب محدوية زاوية التفكير.
الخلاصة التي تخرج فيها من كل الأفلام والأخبار أن الشعب السوري يتعرض لمأساة إنسانية حقيقية، النقطة هنا تفيد انتهاء القصة، لكن القصة للأسف لا تنتهي عند هذه النقطة، للمأساة أسباب أبعد من كونها إنسانية فقط.
تركز الكاميرا على قصص عن مجازر ترتكب في السجون، ومثقفين غادروا البلاد بسبب القمع والمطاردة، ومؤامرات تشترك فيها الدولة السورية في كل مكان في العالم بهدف تقويض الحرية والديمقراطية الممنوحة للشعوب الأخرى، الحرية والديمقراطية هنا مفهومان سياسيان بحتان لا علاقة لهما بحقوق الإنسان الأساسية (الإنسانية) من مشرب ومأكل وملبس وتعليم وطبابة وكلها توفرها الدولة السورية لجميع مواطنيها مجاناً، المقصود هنا ممارستان معياريتان هما الانتخابات وحرية الرأي، مع التبادل في أهميتهما، حسب المصالح الغربية، فالانتخابات ضرورية في سورية للاعتقاد بأنها ستنتهي بإسقاط النظام في حين أن حرية الرأي تصبح صاحبة الأولوية في أوكرانيا لأنها ستؤدي إلى إسقاط الحكومة المنتخبة «ديمقراطياً» وهكذا تنتقل الكاميرا من زاوية إلى أخرى بحرية مع إبقاء بعض زوايا الكادر مظلمة تماماً، مثل الزاوية التي تظهر أن الدول الراعية لم يسبق لشعوبها أن عرفت معنى الممارسات الانتخابية حتى المزورة منها مثل المملكة العربية السعودية أو قطر.
من زاوية أخرى  وباستخدام كاميرا أخرى مختلفة تماماً، كاميرا لا تخضع للشروط الهوليودية نرى في سورية قبل آذار 2011؛ التعليم المجاني والخدمات الصحية مجانية، السلع الأساسية مدعومة من الدولة، ورغم الفساد (المفترض) فالدولة تكاد تكون بلا مديونية وهي الدولة العربية الوحيدة التي كانت تأكل مما تزرع وتلبس مما تصنع، لم نر هذا في أي من أفلام التظاهرة التي عقدت في عمان، أو أي أفلام أخرى تتناول الحرب على سورية. لكنّ المندفعين في تأييد «الثورة السورية» المزعومة يطرحون بدورهم تساؤلاً: وهل يحق للنظام استخدام كل هذا العنف لقمع شعبه؟ ونحن بدورنا نتساءل من هم حلفاء هذه «الثورة»، وما هو تاريخهم (الحديث فقط)؟
الولايات المتحدة الأمريكية؛ دولة استعمارية غاشمة احتلت أفغانستان وقتلت أكثر من 200 ألف أفغاني، واحتلت العراق وقتلت أكثر من مليون عراقي وشرّدت عدة ملايين، قصفت المدنيين في باكستان وقتلت حوالي 50 ألف باكستاني كل هذا وغيره كثير والسبب أن برجين في نيويورك قد تم الهجوم عليهما.
بريطانيا؛ دولة استعمارية ذات سمعة سيئة، هي الحليف والشريك للولايات المتحدة في كل المجازر السابقة، وتحمل خصوصية لدى العرب فهي أحد أطراف اتفاقية «سايكس بيكو» التي قسمتهم وصاحبة «وعد بلفور» الشهير.
فرنسا؛ لا يختلف إرثها الاستعماري عن بريطانيا وهي الشرطي الغربي في أفريقيا وتحمل هي الأخرى خصوصية مهمة في التاريخ العربي ففي رقبتها أكثر من مليون شهيد جزائري.
كيف تحمل رسالة الحرية والديمقراطية وأنت تتحالف مع الجزار؟
هل ستظهر الكاميرا صورة خبراء أجهزة المخابرات الغربية وهم يدربون «الثوار»؟؟
«الأسلحة التي سيتم تزويد الثوار بها غير قاتلة! وسنعمل على عدم وصولها إلى أيدي المتطرفين»، هذا ما يصرح به وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة… فهل يعفي ذلك بقية «الثوار المعتدلين والمعِّدلين وراثياً» الذين ستصلهم الأسلحة من تهمة التخابر مع أعداء الأمة؟ هل «الثورة» مبرر كاف للخيانة؟
الدول الداعمة نفسها تخوض حربا مقدسة في مالي ضد المجاهدين الذين ينتمون إلى التيار الفكري نفسه الذي ينهل منه «الثوار السوريون».. في حديثه للصحفيين في أبوجا، التي جاء إليها قادماً من الكاميرون، قال لوران فابيوس وزير خارجية فرنسا الأسبق معلقاً على اختطاف مواطنين فرنسيين:
«من هنا، يجب خوض المعركة ضد المجموعات الإرهابية بعزم… وفي كل مكان»
هل تقع سورية خارج الأمكنة فلا ينطبق عليها تصريح فابيوس؟ نفقد الطريق إلى الحقيقة مرة أخرى وتقودنا الشعاب إلى اليمن التي تقع هي الأخرى خارج حدود الأمكنة وخارج زوايا التصوير، فالقبعات البيضاء متخصصة بتصوير ما تقوم به الدول الوطنية، ولا تصور ما يقوم به الحلفاء من الرقة إلى صنعاء.
في إحدى قصص غسان كنفاني (موت سرير رقم 12) يرسل المريض رسالة إلى صديقه يخبره فيها عن قصة مريض آخر يشاركه الغرفة، لكنه بعد وفاة ذلك المريض يكتشف أن القصة التي اخترعها لم تكن سوى قصته وأنها لا تمت بصلة إلى القصة الحقيقية للمريض المسجى على السرير رقم 12، تلك القصة تحدثنا عن الفرق بين  Realبمعنى (الحقيقة) و Reel بمعنى (البكرة) التي يصنع منها الفيلم، فكلاهما مستوى من مستويات الحقيقة الأدبية، لكن هل ينطبق ذلك على السياسة؟؟
أثبت لنا صناع «الربيع العربي» أنه ينطبق بل إن ما تحيكه البكرة أكثر حقيقية، عند البعض، من أي شيء آخر حتى لورأيناه بأم أعيننا.
من صنعوا «الربيع العربي» يصنعون الحقيقة الجديدة، حقيقة ينتقل فيها العدو من الغرب إلى الشرق، ويصبح التخابر مع العدو مبرراً إذا كان في سياق الحرب من أجل ديمقراطية الصناديق.. ويبقى السؤال: لو أن الجرحى الذين عبروا إلى الكيان الصهيوني كانوا من حزب الله أو من الجيش العربي السوري هل كانوا سينقلون للعلاج أم إلى السجون؟ هذه هي الحقيقة كما صنعوها وكما علينا أن نقبلها ونصدقها، وبعكس ذلك نكون نحن أيضاً شبيحة وقد نستحق القتل في أول فرصة ممكنة، أليس هذا ما حدث للشهداء شكري بلعيد، ومحمد البراهمي، وناهض حتر؟!

* كاتب من الأردن

print

مقالات ذات صله