آخر تحديث: 2018-06-10 14:09:11

عاجل

كل هذه الحرب من أجل هذه اللحظة! .. بقلم: د. محمد سيد أحمد

في الذكرى السبعين للنكبة قام العدو الأمريكي بتنفيذ قرار نقل سفارته إلى القدس العربية المحتلة, وبذلك أسدل الستار على فصل خطير من فصول العدوان الصهيوني على الأرض العربية, حيث أعلن العدو الصهيوني أن القدس هي «العاصمة الأبدية» لكيانه المزعوم, وهذا العدوان ليس بجديد فالعدو الصهيوني يفرض علينا حالة الأمر الواقع على مدار السبعين عاماً الماضية, وبالطبع لا يوجد مجتمع دولي حقيقي ولا منظمات دولية حقيقية, فمعظم الأمور تخضع في نهاية الأمر للهيمنة الأمريكية, التي تخضع بدورها لتأثيرات اللوبي الصهيوني المسيطر على المؤسسات الحيوية داخل الولايات المتحدة الأمريكية.
وما تتخذه الأمم المتحدة من قرارات لا تعدو أن تكون حبراً على ورق لا ينفذها العدو الصهيوني, ولا يعتد بها ولا بمن اتخذها مادامت تتعارض مع مصالحه العدوانية, فكل قرارات الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الشعب العربي الفلسطيني لم يتم تنفيذها منذ النكبة وحتى اليوم, فالعدو الصهيوني لديه مشروع استعماري استيطاني يسعى من خلاله إلى القضاء على الشعب العربي الفلسطيني لتكون الأرض العربية الفلسطينية خالصة له, ليس هذا فحسب، بل هناك حلم عدواني كبير يقول  «إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات» والعبارة مسجّلة فوق باب الكنيست الإسرائيلي, والعالم أجمع يعلمها ولكنه يتعامى عنها إما تواطؤاً أو خوفاً.
وعندما حدثت النكبة قبل سبعين عاماً كانت الأمة العربية تحت الاحتلال القديم (البريطاني ـ الفرنسي) وعلى الرغم من ذلك توجهت الجيوش العربية الضعيفة والهشة في ذلك الحين إلى فلسطين في محاولة للدفاع عنها, وعلى الرغم من الهزيمة بفعل بعض الخيانات العربية المبكرة إلا أن النكبة قد خلقت حالة من الصراع بين الأمة العربية والعدو الصهيوني المغتصب للأرض العربية المحتلة, وظل الصراع مستمراً بعد تحرر المجتمعات العربية من الاستعمار, ووجدت الأمة العربية ضالتها فى الزعيم جمال عبد الناصر الذي شارك في حرب فلسطين وحوصر في الفالوجة وشهد بعينيه الخيانة العربية, فكانت دعوته إلى إحياء المشروع القومي العربي كركيزة أساسية لمواجهة العدو الصهيوني. ولكن ظل العدو الصهيوني يحيك المؤامرات عبر اختراق المجتمعات العربية ومحاولة جذب الرجعية العربية إليه لتقف في وجه المشروع الوحدوي العربي, ونجح العدو الصهيوني في مهمته فكانت نكسة 1967 لحظة انكسار للمشروع, لكن ورغم الهزيمة قرر جمال عبد الناصر أن يستمر في مقاومته, ورفض كل محاولات العدو الصهيوني لاستمالته, وخاض حرب الاستنزاف في الوقت الذي كان يعيد فيه بناء الجيش من جديد, استعداداً لمواجهة شاملة مع العدو الصهيوني لتحرير كامل التراب العربي المحتل, حيث أكد في مؤتمر الخرطوم في أعقاب النكسة مباشرة أنه «لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف» وأن «ما أخذ بالقوة لن يسترد إلا بالقوة» وفى غمار المعركة رحل الزعيم جمال عبد الناصر.
وبرحيله وجد العدو الصهيوني ضالته في الرئيس السادات الذي حول خطة حرب تشرين التحريرية 1973 من خطة حرب تحرير كاملة إلى حرب محدودة يتحقق من خلالها انتصار محدود من أجل تحريك المفاوضات مع العدو الصهيوني, والذي انتهى بالفعل بعقد اتفاقية كامب ديفيد 1978 والتي أخرجت مصر من دائرة الصراع العربي- الصهيوني, وبخروج مصر أصبح الأمر أكثر يسراً على العدو الصهيوني, فتمكن بعد ذلك من عقد اتفاقية الاستسلام نفسها مع الفلسطينيين في أوسلو 1993, ثم مع الأردن في وادي عربة 1994.
ومنذ ذلك التاريخ انحصر الصراع العربي- الصهيوني في كل عدوان جديد على الأرض والشعب العربي الفلسطيني في خطابات الشجب والتنديد والإدانة من قبل معظم الحكام العرب, والتنفيس عبر المسيرات والتظاهرات الغاضبة للشعب العربي الرافض للممارسات العدوانية المتكررة والممنهجة للعدو الصهيوني, وباستثناء المقاومة اللبنانية التي أجبرت العدو الصهيوني على الانسحاب من الجنوب اللبناني عام 2000, وانتصارها عليه في حرب تموز 2006, لم تشهد معظم ساحة المواجهة العربية مع العدو الصهيوني أكثر من المواقف الكلامية سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي, هذا بالطبع إلى جانب المقاومة الفلسطينية البطلة والشجاعة الموجودة والحاضرة دائماً في مواجهة العدو الصهيوني وتسبب له إزعاجاً وذعراً بشكل مستمر.
وعندما انطلقت شرارة «الربيع العربي» المزعوم الذي تحول إلى ربيع عبري بامتياز بناءً على نتائجه, فالمستفيد الأوحد من هذا «الربيع» هو العدو الصهيوني الذي أشعل نيران الحرب داخل المنطقة, وعبر الجيل الرابع للحروب وباستخدام وسائل الإعلام, والفتنة الطائفية والمذهبية والعرقية, والجماعات التكفيرية الإرهابية, وأموال النفط الحرام, لتنشغل كل المجتمعات العربية بحروبها ومشكلاتها الداخلية بعيداً عما يتم داخل فلسطين المحتلة, وعندما جاءت اللحظة الحاسمة والتي أعلن فيها العدو الأمريكي عن نقل سفارته للقدس كمقدمة لإعلان القدس «عاصمة أبدية» للعدو الصهيوني, كان الصوت العربي الذي ينطلق قبل الربيع العبري ليشجب ويندد ويدين على المستوى الرسمي قد خرس بشكل نهائي بل ظهرت أصوات تؤيد العدوان الصهيوني الفاجر من فوق كراسي الحكم العربية, والمسيرات والتظاهرات الشعبية الغاضبة اختفت تماماً في معظم العواصم العربية خوفاً من البطش بها فالضرب والسحل والاعتقال والسجن والقتل هي البدائل المتاحة أمام كل مواطن عربي يفكر في التنفيس عن غضبه عبر المسيرات والتظاهرات.
فعلى المستوى الرسمي تمكن العدو الصهيوني من السيطرة شبه الكاملة على الحكام العرب وباستثناءات بسيطة تتمثل في محور المقاومة, أما على المستوى الشعبي فقد قام العدو الأمريكي – الصهيوني باختراع ذلك العالم الافتراضي (مواقع التواصل الاجتماعي) كوسيلة مؤقتة للتنفيس عن الغضب حيال ما يقوم به العدو الصهيوني من ممارسات عدوانية ضد شعبنا العربي الفلسطيني, وتالياً تمت السيطرة على الغضب الشعبي العربي كما تمت السيطرة على معظم الحكام العرب.
وبذلك يمكننا القول: إن كل هذه الحرب التي انطلقت فى مطلع العام 2011 كانت تستهدف هذه اللحظة, لكن وعلى الرغم من كل ما حققه العدو الصهيوني من مكاسب خلال السنوات السابقة, سيظل محور المقاومة شوكة في حلقه, فالدفاعات الجوية العربية السورية التي تقف لصواريخه المعتدية بالمرصاد, وصواريخ حزب الله التي تقف لترد أي عدوان على لبنان, وخروج الشعب العربي الفلسطيني تجاه القدس وهو يستقبل الرصاص الصهيوني من دون خوف أو رعب, وخروج المسيرات والتظاهرات الشعبية الغاضبة في اليمن الجريح, كل ذلك يؤكد أن المعركة والصراع مع العدو الصهيوني مازالا قائمين, ونحن في انتظار جولات جديدة مادام هناك من يؤمن بأن قضيتنا المركزية هي القضية الفلسطينية, اللهم بلغت.. اللهم فاشهد.

* كاتب من مصر

print

مقالات ذات صله